اعتدنا لعقود طويلة أن نتعامل مع المياه بوصفها نعمة مضمونة: نهران عظيمان يشقّان البلاد من شمالها إلى جنوبها، وأرض عرفت الزراعة قبل أن تعرفها معظم الأمم. لكن هذه الطمأنينة الموروثة لم تعد تصمد أمام الأرقام؛ فمناسيب دجلة والفرات تتراجع موسماً بعد آخر، والخطة الزراعية الشتوية تُقلَّص عاماً بعد عام، والملوحة تزحف في شط العرب حتى باتت تهدد مياه الشرب في البصرة.
يأتي ما يزيد على ثلثي مياهنا من خارج الحدود، وهذه حقيقة جغرافية لا يغيّرها خطاب ولا تصريح. وما دامت دول المنبع تبني السدود وتوسّع مشاريعها الزراعية، فإن حصة العراق ستبقى مرهونة بما يُقرَّر هناك، ما لم نمتلك أدوات تفاوض حقيقية وإدارة رشيدة لما يصل إلينا فعلاً.
من ملف فني إلى قضية سيادية
المشكلة أننا ما زلنا ندير هذا الملف بعقلية الأزمة الموسمية: نرفع الصوت في الصيف حين تجف الجداول، ثم ننسى الأمر مع أول موجة أمطار. والحال أن المياه لم تعد شأناً يخص وزارة الموارد المائية وحدها، بل قضية تتشابك فيها الزراعة والطاقة والصحة والهجرة من الريف إلى المدن، وتمس في النهاية استقرار المجتمع كله.
ويستدعي ذلك أن يحضر الملف المائي على طاولة كل تفاوض اقتصادي مع دول الجوار، فالتجارة والاستثمار والربط الكهربائي أوراق يمكن توظيفها بهدوء ومن دون تصعيد للوصول إلى اتفاقات ملزمة لتقاسم الضرر في سنوات الجفاف، بدلاً من مذكرات تفاهم تبقى رهينة النوايا الحسنة.
الماء الذي لا نحسن إدارته في الداخل، لن نحسن المطالبة به في الخارج.
ترتيب البيت من الداخل
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن جزءاً كبيراً من المشكلة صناعة محلية. فالزراعة تستهلك أكثر من ثلاثة أرباع مياهنا، وما زال معظمها يعتمد على الري بالغمر الذي يهدر أكثر مما يسقي، فيما تتسرب كميات هائلة من قنوات ترابية متهالكة، وتُلقى مياه الصرف في الأنهار من دون معالجة كافية. ولذلك فإن أي إصلاح جاد يبدأ من خطوات نملك قرارها بأيدينا:
- التوسع في تقنيات الري بالتنقيط والرش عبر قروض ميسرة للفلاحين، ودعم يرتبط بما يوفرونه فعلاً من مياه.
- تبطين القنوات الرئيسة وصيانة شبكات البزل التي أُهملت لعقود.
- إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في الزراعة والصناعة.
- إعداد الخطة الزراعية كل عام على أساس الخزين المائي الفعلي، لا على أساس مساحات الأعوام السابقة.
هذه ليست حلولاً سحرية، لكنها تمنح المفاوض العراقي حجة أقوى حين يطالب بحصة عادلة، وتمنح الفلاح سبباً للبقاء في أرضه بدلاً من الالتحاق بأحزمة الفقر حول المدن.
ما بعد السدود ليس قدراً محتوماً بالعطش، بل مرحلة جديدة تتطلب عقلاً جديداً. فإما أن نتعامل مع الماء بوصفه ثروة سيادية نخطط لها لعقود مقبلة، وإما أن نترك الجفاف يرسم نيابة عنا خريطة العراق القادمة.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



