النفط وحده لا يكفي

اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة يبقى رهينة لتقلباتها، والتنويع لم يعد خياراً مؤجلاً.

ح

حيدر الموسوي

محلل اقتصادي · منذ 8 ساعات · قراءة في دقيقتين

يكفي أن يتراجع سعر برميل النفط بضعة دولارات في الأسواق العالمية حتى يبدأ الحديث في بغداد عن عجز الموازنة وتأخر الرواتب وتأجيل المشاريع. هذه المعادلة التي نعيشها منذ عقود تختصر أزمة الاقتصاد العراقي: بلد غني بموارده، لكنه مكشوف أمام عامل واحد لا يملك السيطرة عليه.

تشكّل الإيرادات النفطية أكثر من تسعين في المئة من إيرادات الموازنة العامة، فيما يذهب الجزء الأكبر من الإنفاق إلى الرواتب والمعاشات والدعم. ومعنى ذلك أن أي هزة في الأسواق تتحول مباشرة إلى قلق في كل بيت عراقي، وأن الاستثمار في المستقبل يبقى دائماً في آخر قائمة الأولويات.

أين تكمن الفرص؟

التنويع ليس شعاراً جديداً، فقد ورد في البرامج الحكومية كلها تقريباً، لكن المطلوب اليوم الانتقال من العناوين إلى القطاعات. والعراق يملك فرصاً حقيقية لا تحتاج إلى معجزات: أرض زراعية واسعة، وموقع يربط الخليج بأوروبا، وسوق استهلاكية تتجاوز 46 مليون نسمة، وثروة غازية تُحرق اليوم في الهواء بدل أن تشغّل المصانع.

  • الصناعات التحويلية المرتبطة بالنفط والغاز، كالبتروكيمياويات والأسمدة، بدلاً من تصدير الخام وحده.
  • الزراعة والصناعات الغذائية، بدءاً بالتمور والحبوب ومنتجات الألبان التي نستورد كثيراً منها.
  • النقل والخدمات اللوجستية، مع اقتراب اكتمال ميناء الفاو الكبير ومشروع طريق التنمية.
  • السياحة الدينية والأثرية التي تستقبل ملايين الزائرين سنوياً من دون بنية خدمية تليق بهم.

هذه القطاعات لا تنمو بقرار إداري، بل ببيئة أعمال يثق بها المستثمر المحلي قبل الأجنبي: قضاء تجاري سريع، وإجراءات تسجيل لا تستغرق أشهراً، ونظام مصرفي يقرض المشاريع الصغيرة بدل أن يكتفي بتوطين الرواتب.

وتقدم لنا تجارب دول نفطية في المنطقة دروساً مفيدة؛ فقد نجح بعضها في بناء موانئ ومناطق صناعية وشركات طيران ووجهات سياحية تدر اليوم دخلاً يضاهي ما يدره النفط. لم يحدث ذلك بين ليلة وضحاها، بل بخطط امتدت عقدين أو أكثر، وبإدارة احترافية حمت المشاريع من التقلبات السياسية ومن تبدل الأولويات مع كل حكومة جديدة.

الدولة التي تدفع رواتبها من بئر واحدة، تراهن بمستقبل أبنائها على سعر لا تصنعه.

من يدفع كلفة التأجيل؟

يخشى كثيرون أن يعني التنويع تقليص الوظائف الحكومية أو رفع الأسعار، وهذا خوف مشروع يجب التعامل معه بصراحة. فالإصلاح الذي يُفرض دفعة واحدة ومن دون شبكة حماية اجتماعية سيصطدم بالشارع، لكن الإصلاح المؤجل سيصطدم بما هو أقسى: يوم لا تكفي فيه الإيرادات لتغطية الرواتب أصلاً.

سيبقى النفط عماد اقتصادنا لسنوات مقبلة، ولا أحد يدعو إلى التخلي عنه. المطلوب أن نستثمر عائداته اليوم في بناء اقتصاد يستطيع أن يعيش من دونه غداً، وأن نعدّ كل دينار يذهب إلى مصنع أو مزرعة أو ميناء استثماراً في استقرار البلد، قبل أن يكون رقماً في جداول الموازنة.

شارك

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.

مقالات وآراء

المزيد بقلم حيدر الموسوي وكتّاب الفرات

س

د. سلام العبيدي

أستاذ العلوم السياسية

العراق ومعادلة المياه: ما بعد السدود

لم يعد ملف المياه شأناً فنياً يُدار من مكاتب الوزارات، بل صار سؤالاً سيادياً يمس الأمن الغذائي لملايين العراقيين.

منذ 4 ساعاتاقرأ المقال