في ذروة موسم الطماطم، يقف مزارع في الزبير أمام صناديق محصوله المكدسة لا يعرف لمن يبيعها. وبعد أشهر قليلة تمتلئ الأسواق بطماطم مستوردة بضعف السعر. هذا المشهد المتكرر يلخص الخلل في علاقتنا بالزراعة: نحن لا نفتقر إلى الأرض ولا إلى الفلاح، بل إلى منظومة تربط الحقل بالسوق بعدالة واستقرار.
خطت الحكومات المتعاقبة خطوات مهمة لحماية المنتج المحلي، أبرزها منع استيراد عدد من المحاصيل في مواسم إنتاجها، وشراء الحنطة من الفلاحين بأسعار تشجيعية، وهو ما أسهم في مواسم عدة في تحقيق الاكتفاء الذاتي منها. لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تعالج نصف المشكلة فقط.
وتكشف المقارنة حجم المفارقة: فالعراق الذي عُرف تاريخياً بأرض السواد لكثرة بساتينه وحقوله، يستورد اليوم جزءاً كبيراً من خضره وفاكهته ومنتجات ألبانه، ويدفع ثمنها بالعملة الصعبة التي يجنيها من النفط. وكل شحنة مستوردة يمكن إنتاجها محلياً تعني فرص عمل ضائعة في ريفنا، وأموالاً تخرج من البلد بدل أن تدور في أسواقه.
النصف الآخر من المعادلة
النصف الآخر يتعلق بما يحدث بعد الحصاد. فغياب المخازن المبردة يضطر الفلاح إلى بيع محصوله فوراً وبأي سعر، وضعف الصناعات الغذائية يحرم الفائض من فرصة التحول إلى معلبات وعصائر، وكثرة الوسطاء بين الحقل والمستهلك تبتلع الجزء الأكبر من الربح. يضاف إلى ذلك شح المياه الذي يجبر الجهات المعنية على تقليص الخطة الزراعية عاماً بعد عام.
الفلاح الذي يخسر موسماً واحداً قد يصبر، أما الذي يخسر ثلاثة مواسم فسيبيع أرضه لتتحول إلى قطع سكنية.
وهذا ما يحدث فعلاً على أطراف مدننا، حيث تتآكل البساتين لصالح البناء العشوائي. ونحن نخسر بذلك ما هو أكثر من الأرض: نخسر خبرة أجيال من المزارعين، وجزءاً من أمننا الغذائي، ونضيف آلاف العاطلين إلى مدن مكتظة أصلاً، تعاني هي الأخرى من ضغط الخدمات وأزمة السكن.
مقترحات للحماية الحقيقية
- إنشاء مخازن مبردة ومراكز تسويق في المحافظات الزراعية الكبرى بالشراكة مع القطاع الخاص.
- تشجيع الجمعيات التعاونية التي تمنح صغار الفلاحين قدرة تفاوضية أكبر.
- ربط الدعم الحكومي باستخدام تقنيات الري الحديثة والبذور المحسنة.
- تحفيز مصانع التعليب والصناعات الغذائية على شراء المحاصيل المحلية بعقود مسبقة.
وهذه المقترحات لا تتطلب أموالاً خيالية، فجزء كبير منها يمكن تمويله بالشراكة مع المصارف والقطاع الخاص، وبإعادة توجيه الدعم الذي يذهب اليوم إلى مستلزمات لا تصل دائماً إلى مستحقيها.
الزراعة في العراق ليست قطاعاً من الماضي، بل يمكن أن تكون أحد أعمدة اقتصاد ما بعد النفط إذا أحسنّا إدارتها. والفلاح الذي يجد من يشتري محصوله بسعر عادل وفي وقته، لن يحتاج إلى أن يرفع صوته كل موسم مطالباً بالإنصاف.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



