في جلسة حوارية مع طلبة السنة الأخيرة في إحدى كليات بغداد، سألتهم عن خططهم بعد التخرج. جاءت الإجابات متشابهة إلى حد لافت: معظمهم ينتظر فرصة تعيين في دائرة حكومية، وقلة قليلة تفكر في مشروع خاص أو عمل في شركة. لم يكن ذلك كسلاً كما يحلو للبعض أن يقول، بل حساباً عقلانياً لواقع يمنح الموظف الحكومي ما لا يمنحه غيره: راتب مضمون، وتقاعد، وأمان اجتماعي.
وهنا تكمن المعضلة. فنحو ستين في المئة من العراقيين دون الخامسة والعشرين، ويدخل سوق العمل كل عام مئات الآلاف من الخريجين والشباب، بينما لم تعد الدولة قادرة على استيعابهم من دون أن تثقل موازنتها بما لا تحتمل. والاستمرار في هذا الطريق يعني أن نربّي جيلاً كاملاً من المنتظرين.
لماذا يخشى الشباب القطاع الخاص؟
الجواب لا يحتاج إلى دراسات معقدة. فالعامل في القطاع الخاص يعمل غالباً من دون عقد مكتوب، ومن دون ضمان اجتماعي، وقد يُستغنى عنه في أي لحظة. وما دامت هذه الصورة قائمة، فإن أي دعوة إلى ترك الوظيفة العامة ستبدو للشاب وأسرته مغامرة غير محسوبة.
لن يغادر الشاب طابور التعيين ما لم يجد في القطاع الخاص ما يجده في ذلك الطابور: الأمان.
لذلك فإن خطوات مثل شمول العاملين في القطاع الخاص بالضمان الاجتماعي والتقاعد تمثل بداية صحيحة، شرط أن تُطبَّق فعلاً، وأن يلمسها العامل في راتبه وحقوقه، لا أن تبقى نصوصاً تنتظر التعليمات.
ما الذي يمكن فعله الآن؟
- ربط التعليم الجامعي والمهني بحاجات السوق الفعلية، وإدخال التدريب العملي في سنوات الدراسة.
- تسهيل تسجيل المشاريع الصغيرة وإعفاؤها من الرسوم في سنواتها الأولى.
- توجيه القروض الميسرة إلى أفكار الشباب المنتجة لا إلى الاستهلاك.
- الاحتفاء بقصص النجاح المحلية في الإعلام والمدارس، فالقدوة تصنع ثقافة العمل أكثر من الخطب.
التقيت قبل أشهر شاباً من الديوانية افتتح ورشة لتصليح الهواتف بعد سنوات من انتظار التعيين، واليوم يعمل معه أربعة من أبناء حيّه. قصته ليست استثناءً، بل دليل على أن الطاقة موجودة، وأن ما ينقصها هو البيئة التي تحتضنها.
وفي المقابل، رأيت شباباً يملكون مهارات حقيقية في البرمجة والتصميم والتسويق الإلكتروني، يعملون عن بُعد لصالح شركات خارج البلاد لأنهم لم يجدوا في السوق المحلية من يقدّر ما يعرفونه. هؤلاء ثروة وطنية تتسرب بصمت، ويمكن أن يكونوا نواة لاقتصاد رقمي عراقي إذا وجدوا تشريعات تعترف بعملهم وتسهّل حصولهم على مستحقاتهم.
ليس المطلوب أن تتخلى الدولة عن مسؤوليتها تجاه الشباب، بل أن تغيّر شكل هذه المسؤولية: من دولة توظّف الجميع إلى دولة تمكّن الجميع من العمل. وهذا هو الفرق بين اقتصاد ينتظر الدولة واقتصاد تقوده طاقات أبنائه.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



