الأسرة العراقية في زمن الشاشات: من يربّي أبناءنا؟

حين يقضي الطفل أمام الهاتف ساعات أكثر مما يقضيها مع والديه، فإن السؤال لم يعد عن التقنية، بل عن شكل الأسرة التي نريدها لأبنائنا.

ر

رنا الجبوري

كاتبة وباحثة اجتماعية · منذ 4 أيام · قراءة في دقيقتين

كانت جلسة العشاء في البيت العراقي حتى وقت قريب مساحة للحديث: الأب يروي ما جرى في عمله، والأم تتابع دروس الأبناء، والجد يستعيد حكايات زمانه. اليوم تغيّر المشهد في بيوت كثيرة؛ يجلس أفراد الأسرة إلى المائدة نفسها، لكن كل واحد منهم غارق في شاشته الصغيرة، يعيش في عالم لا يشاركه فيه أحد ممن حوله.

لا أكتب هذا من باب الحنين إلى الماضي أو العداء للتقنية، فالهاتف الذكي فتح لأبنائنا أبواباً واسعة للمعرفة والتواصل. لكنني ألمس، في لقاءات كثيرة مع أمهات وآباء ومعلمين، قلقاً متزايداً من أطفال يقضون ساعات طويلة أمام مقاطع لا يعرف الأهل محتواها، ومراهقين يستمدون قيمهم من مؤثرين لا يعرفون عنهم شيئاً.

وتخبرني معلمات في مدارس ابتدائية أن تلاميذ الصفوف الأولى صاروا يجدون صعوبة في التركيز لأكثر من دقائق معدودة، وأن بعضهم يأتي إلى المدرسة منهكاً بعد سهر طويل أمام الألعاب الإلكترونية. وتشكو أمهات من أن الحديث مع أبنائهن المراهقين صار أشبه بالتفاوض، وأن الهاتف بات طرفاً ثالثاً في كل خلاف داخل البيت.

الفراغ قبل الشاشة

غير أن اختزال المشكلة في الهاتف وحده يريحنا من مواجهة أسئلة أصعب. فالطفل لا يلجأ إلى الشاشة إلا حين يجد فراغاً: حين ينشغل الأب بعمل ثانٍ لتأمين المعيشة، وحين تغيب الحدائق والملاعب الآمنة عن الأحياء، وحين تغلق المكتبات العامة ومراكز الشباب أبوابها أو تكاد.

لن تنافس الأسرة الشاشة بالمنع وحده، بل بأن تكون هي نفسها أكثر حضوراً ودفئاً.

ولذلك فإن الحل لا يكمن في قرارات المنع التي يتحايل عليها الأطفال بسهولة، بل في استعادة الوقت المشترك داخل البيت. ساعة يومية بلا هواتف، ونزهة في نهاية الأسبوع، وكتاب يقرؤه الأب مع ابنه أو الأم مع ابنتها: أمور بسيطة، لكنها تصنع فرقاً كبيراً في علاقة الطفل بأهله وبالعالم من حوله.

والقدوة هنا أهم من النصيحة. فالأب الذي يطلب من ابنه ترك الهاتف وهو لا يرفع عينيه عن شاشته، يقدّم درساً معاكساً لما يقوله، والأطفال يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه.

مسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها

ولا يصح أن نحمّل الأسرة العبء كله. فالمدرسة مطالبة بتعليم التلاميذ كيف يستخدمون الإنترنت بوعي وأمان، والجهات المعنية مطالبة بتشريعات تحمي الأطفال من المحتوى الضار والابتزاز الإلكتروني، والبلديات مطالبة بأن تعيد إلى الأحياء متنفساتها من حدائق وملاعب ومراكز ثقافية.

صمدت الأسرة العراقية أمام حروب وحصار وأزمات قاسية، وكانت دائماً الملاذ الأخير حين تعثرت المؤسسات. وهي قادرة اليوم أيضاً على أن تتكيف مع هذا التحدي الجديد، شرط أن نعترف به مبكراً، وأن نتعامل معه بالحوار لا بالخوف، وبالمشاركة لا بالرقابة الصارمة وحدها.

شارك

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.

مقالات وآراء

المزيد بقلم رنا الجبوري وكتّاب الفرات

س

د. سلام العبيدي

أستاذ العلوم السياسية

العراق ومعادلة المياه: ما بعد السدود

لم يعد ملف المياه شأناً فنياً يُدار من مكاتب الوزارات، بل صار سؤالاً سيادياً يمس الأمن الغذائي لملايين العراقيين.

منذ 5 ساعاتاقرأ المقال
ح

حيدر الموسوي

محلل اقتصادي

النفط وحده لا يكفي

اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة يبقى رهينة لتقلباتها، والتنويع لم يعد خياراً مؤجلاً.

منذ 9 ساعاتاقرأ المقال