منذ أن تبنّى الدستور العراقي مبدأ اللامركزية الإدارية ونحن نتجادل حول حدود الصلاحيات بين بغداد والمحافظات. نقاشات طويلة عن نقل الصلاحيات وتوزيع التخصيصات، لكنها نادراً ما تصل إلى السؤال الذي يعني المواطن مباشرة: من المسؤول عن الشارع المحفور أمام بيتي، وعن المدرسة التي لم تكتمل، وعن محطة الماء المتوقفة منذ أشهر؟
هذا الالتباس ليس تفصيلاً إدارياً. فحين تتوزع المسؤولية بين جهات عدة تضيع المحاسبة بينها جميعاً، ويجد كل طرف من يُلقي عليه اللوم. والمواطن الذي لا يعرف إلى أين يتوجه بشكواه يفقد تدريجياً ثقته بالمؤسسات كلها، المحلية منها والاتحادية.
وقد عشنا سنوات غابت فيها مجالس المحافظات، فانتقلت مهامها الرقابية إلى جهات أخرى أو ضاعت بينها. ولم يكن ذلك الغياب حلاً للمشكلة كما ظن بعضهم، بل كشف أن الخلل لم يكن في وجود المجالس بحد ذاته، وإنما في طريقة عملها وفي غياب المعايير التي تقيس أداءها.
ما الذي تعنيه اللامركزية فعلاً؟
اللامركزية في جوهرها فكرة بسيطة: القرار الأقرب إلى الناس أقدر على فهم حاجاتهم. فأهل البصرة أدرى بمشكلات الملوحة وشبكات التصريف، وأهل نينوى أدرى بأولويات إعادة الإعمار، وأهل الأنبار أدرى بحاجات مدنهم الممتدة على أطراف الصحراء. لكن هذه الفكرة لا تنجح إلا إذا اقترنت بثلاثة شروط: صلاحيات واضحة، وموارد كافية، ورقابة فاعلة. فالصلاحية بلا موارد عبء، والموارد بلا رقابة باب للهدر.
اللامركزية بلا شفافية لا تقرّب القرار من الناس، بل تنقل المركزية إلى عنوان آخر.
وتمثل عودة مجالس المحافظات إلى العمل فرصة لاختبار هذه الشروط. فهذه المجالس مطالبة اليوم بأن تثبت أنها أداة رقابة وتخطيط، لا حلقة إضافية في سلسلة البيروقراطية، وأن تكون جلساتها مفتوحة أمام الإعلام والمواطنين، وأن تنشر موازناتها ومشاريعها ونسب إنجازها بلغة يفهمها الجميع.
من الصلاحيات إلى النتائج
- نشر موازنة كل محافظة ومشاريعها على موقع إلكتروني يُحدَّث بانتظام.
- تحديد جهة واحدة مسؤولة عن كل خدمة أساسية لإنهاء تداخل الصلاحيات.
- إشراك الجامعات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في تحديد أولويات الإنفاق.
- قياس أداء الإدارات المحلية بمؤشرات علنية: ساعات تجهيز الماء، ونسب إنجاز المشاريع، والمدة التي تستغرقها المعاملات.
وللمواطن نفسه دور لا يقل أهمية؛ فالرقابة لا تكتمل من دون مجتمع يتابع ويسأل ويشارك في جلسات الاستماع العامة، ويقيّم من انتخبهم على أساس ما أنجزوه لا على أساس الوعود والانتماءات.
لا أحد يطلب من الحكومات المحلية أن تحل في دورة واحدة مشكلات تراكمت عبر عقود، لكن من حق المواطن أن يرى اتجاهاً واضحاً نحو التحسن، وأن يعرف من يحاسب إن لم يتحقق. وحين يحدث ذلك فقط، تصبح اللامركزية ما أُريد لها أن تكون: دولة أقرب إلى مواطنيها.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



