بغداد التي نحبّ: مدينة تستعيد ذاكرتها

في كل شارع يُرمّم وكل مقهى يعود إلى الحياة، تستعيد بغداد شيئاً من روحها التي لم تغب.

ن

د. نادية الشمري

باحثة في الشأن الثقافي · منذ يوم · قراءة في دقيقتين

صباح الجمعة في شارع المتنبي يشبه درساً مفتوحاً في التاريخ: كتب مفروشة على الأرصفة، وطلبة يفاوضون على سعر رواية مستعملة، وشيوخ يتبادلون الحديث على أرائك مقهى الشابندر كما كان آباؤهم يفعلون قبل عقود. في هذا المشهد البسيط تتجلى بغداد التي نحبها: مدينة تقرأ وتتحاور، وتعرف كيف تبدأ من جديد.

لكن ذاكرة المدن لا تُحفظ بالحنين وحده. فبغداد التي عرفت الشناشيل والأزقة المتعرجة والأسواق المسقوفة فقدت خلال العقود الماضية كثيراً من بيوتها التراثية بالإهمال أو الهدم أو التجاوز، وحلّت مكانها كتل إسمنتية لا تشبه المدينة ولا تشبه أهلها.

الترميم موقف ثقافي

من هنا تأتي أهمية ما نشهده اليوم من مشاريع لإعادة تأهيل شارع الرشيد والقشلة وأجزاء من الأسواق القديمة. فهذه ليست أعمال تجميل عابرة، بل اعتراف متأخر بأن المكان جزء من هوية الناس، وأن الشارع الذي مشى فيه شعراء بغداد وتجارها وطلبتها يستحق أن يعود كما يليق به.

ولشارع الرشيد مكانة خاصة في هذه الذاكرة؛ فتحت أعمدته وأقواسه وُلدت الصحف الأولى والمقاهي الأدبية ودور السينما في العاصمة، وكان لعقود طويلة الشريان الذي تنبض فيه حياة بغداد التجارية والثقافية معاً. وحين نعيد إليه ألقه فإننا لا نرمم واجهات فحسب، بل نستعيد فصلاً كاملاً من سيرة المدينة.

المدينة التي تهدم ذاكرتها تُجبر أبناءها على أن يعيشوا غرباء في شوارعهم.

غير أن الترميم يحتاج إلى معايير صارمة كي لا يتحول إلى تزييف. فاستبدال الطابوق القديم بواجهات من الألمنيوم المطبوع بزخارف تقليدية لا يعيد الذاكرة بل يسيء إليها. والمطلوب أن يشارك المختصون في العمارة والآثار في كل مشروع، وأن يُستعان بالحرفيين الذين ما زالوا يتقنون صناعة الشناشيل والنقش على الخشب قبل أن تندثر مهنتهم.

ذاكرة يتقاسمها الناس

وتبقى المسؤولية الأكبر على أبناء المدينة أنفسهم. فالبيت التراثي الذي يملكه مواطن يحتاج إلى قانون يحميه وحوافز تشجع صاحبه على صيانته بدلاً من بيعه للهدم. والمدارس مدعوة إلى أن تأخذ طلبتها في جولات إلى الكاظمية والأعظمية والبتاويين والكرخ القديمة، ليعرفوا أن مدينتهم أكبر من الطرق السريعة والمجمعات التجارية.

وقد أثبتت تجارب قريبة أن الناس يستجيبون حين يرون الجمال يعود إلى أماكنهم. فالعائلات التي صارت تقصد القشلة مساء الجمعة، والشباب الذين يلتقطون الصور أمام الواجهات المرممة، يقولون لنا بوضوح إن الحنين إلى بغداد القديمة ليس ترفاً نخبوياً، بل حاجة عامة تبحث عمن يلبيها، وتعيد إلى المدينة شيئاً من ثقتها بنفسها.

بغداد لم تفقد روحها يوماً، لكنها تحتاج إلى من يزيل الغبار عنها. وكل شارع يُرمَّم بأمانة، وكل مقهى يعود إليه رواده، وكل بيت قديم يُنقذ من الهدم، صفحة تُضاف إلى سيرة مدينة علّمت العالم معنى أن تكون عاصمة للمعرفة.

شارك

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.

مقالات وآراء

المزيد بقلم د. نادية الشمري وكتّاب الفرات

س

د. سلام العبيدي

أستاذ العلوم السياسية

العراق ومعادلة المياه: ما بعد السدود

لم يعد ملف المياه شأناً فنياً يُدار من مكاتب الوزارات، بل صار سؤالاً سيادياً يمس الأمن الغذائي لملايين العراقيين.

منذ 5 ساعاتاقرأ المقال
ح

حيدر الموسوي

محلل اقتصادي

النفط وحده لا يكفي

اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة يبقى رهينة لتقلباتها، والتنويع لم يعد خياراً مؤجلاً.

منذ 9 ساعاتاقرأ المقال