يردد العراقيون بفخر تلك العبارة القديمة: القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ. وحين ترى زحام شارع المتنبي صباح الجمعة، والشباب يحملون أكياس الكتب، والطوابير أمام أجنحة معرض بغداد الدولي للكتاب، تشعر أن العبارة ما زالت صحيحة. لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بصراحة: هل تعكس هذه المشاهد واقع القراءة في البلد كله؟
الواقع أكثر تعقيداً. فمقابل الآلاف الذين يرتادون المتنبي، هناك ملايين لا يقتربون من الكتاب إلا في قاعة الامتحان. مدارس كثيرة بلا مكتبات، أو بمكتبات مغلقة يعلوها الغبار، وأحياء كاملة في بغداد والمحافظات لا تضم مكتبة عامة واحدة، وأسر تشتري لأطفالها كل شيء إلا الكتاب.
ولا يتعلق الأمر بالقدرة المادية وحدها، فأسعار كثير من الكتب في المتنبي ما زالت في متناول اليد. المشكلة أعمق: ثقافة عامة لم تعد ترى في القراءة متعة أو حاجة يومية، ومناهج تختزل علاقة التلميذ بالكتاب في الحفظ والامتحان، وإعلام قلّما يقدّم الكاتب العراقي إلى جمهوره أو يحتفي بإصدار جديد.
القراءة عادة تُصنع مبكراً
تؤكد التجارب التربوية أن من لا يقرأ في طفولته نادراً ما يصبح قارئاً في كبره. فعادة القراءة تُبنى في سنوات الدراسة الأولى، حين يكتشف الطفل أن الكتاب ليس واجباً مدرسياً ثقيلاً، بل نافذة على عوالم ممتعة. وهذا ما يجعل المدرسة والبيت ساحتي المعركة الحقيقية، لا معارض الكتب وحدها.
المدينة التي تقرأ لا تُقاس بعدد مكتباتها التجارية، بل بعدد الأطفال الذين ينامون وفي أيديهم كتاب.
ولدينا من التجارب المحلية ما يبعث على الأمل. فقد أطلقت مبادرات شبابية في البصرة والنجف وبغداد مكتبات متنقلة وأندية قراءة في المقاهي والحدائق، وأعاد متطوعون في الموصل الحياة إلى مكتبات تراثية كادت تضيع. هذه المبادرات تحتاج إلى من يدعمها ويحوّلها من جهود فردية إلى سياسة ثقافية مستدامة.
وأتذكر هنا مكتبات الأحياء التي عرفتها بغداد في عقود سابقة، حين كان الطالب يستعير كتابه من مكتبة قريبة ويعيده بعد أسبوع ليستعير غيره. وإحياء هذه الفكرة لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى بنايات صغيرة ورفوف عامرة ومشرفين متحمسين.
ما الذي نحتاجه؟
- حصة أسبوعية للقراءة الحرة في المدارس الابتدائية، بكتب يختارها التلاميذ أنفسهم.
- مكتبة عامة في كل حي سكني كبير، تفتح أبوابها مساءً وفي أيام العطل.
- دعم طباعة كتب الأطفال بعربية سليمة ميسرة وبأسعار في متناول الأسر.
- برامج تلفزيونية وإذاعية تقدم الكتاب بلغة قريبة من الجمهور الشاب.
سيبقى شارع المتنبي رمزاً جميلاً لعلاقة بغداد بالكتاب، لكن الرموز لا تكفي وحدها. وحين يصبح الكتاب جزءاً من يوميات البيت العراقي كالخبز والشاي، نستطيع أن نقول بثقة إن بغداد ما زالت تقرأ، وإن العراق كله يقرأ معها.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



