في غرف الأخبار يتكرر سؤال واحد كل يوم: هل ننشر الآن أم ننتظر التأكد؟ في زمن مضى كان الانتظار ساعة أو ساعتين أمراً عادياً، أما اليوم فالخبر ينتشر على مواقع التواصل خلال دقائق، ويبدو كل تأخير وكأنه خسارة للسبق. لكن التجربة علمتنا أن السبق الذي يقوم على خبر غير دقيق ليس سبقاً، بل خسارة مؤجلة للثقة.
يعيش المشاهد العراقي اليوم وسط سيل من المعلومات المتضاربة: صور قديمة تُنشر على أنها حديثة، ومقاطع مجتزأة من سياقها، وأخبار مصدرها حسابات مجهولة. وفي ظروف كهذه تصبح مهمة الإعلام المهني أصعب، لكنها تصبح أيضاً أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
ولا أعفي مؤسساتنا الإعلامية من المسؤولية. فبعض الشاشات انساقت خلال السنوات الماضية وراء منطق المنصات، فصارت تلاحق المقطع الأكثر انتشاراً بدل الخبر الأكثر أهمية، وتستضيف الصوت الأعلى بدل الرأي الأعمق. وحين يتحول الإعلام إلى صدى لما يُتداول على الهواتف، يفقد المشاهد آخر مرجع يمكن أن يحتكم إليه وسط هذا الضجيج.
ماذا يعني الحياد؟
يخلط كثيرون بين الحياد والسلبية، فيظنون أن الإعلامي المحايد هو من لا يملك رأياً. والحقيقة أن الحياد موقف أخلاقي صعب: أن تعرض الروايات المختلفة بإنصاف، وأن تمنح كل طرف حقه في الرد، وأن تقاوم إغراء الإثارة حين يكون الهدوء أصدق. إنه انحياز للحقيقة وللمشاهد، لا لهذا الطرف أو ذاك.
الكلمة التي تُبث على الهواء لا تعود ملكاً لصاحبها؛ إنها تدخل البيوت وتصنع المزاج العام.
ولذلك نتحمل مسؤولية مضاعفة حين نتناول قضايا حساسة تمس النسيج الاجتماعي. فالخبر الذي يحمل نبرة تحريض، أو العنوان الذي يختزل جماعة كاملة في تصرف فرد، قد يترك أثراً يمتد سنوات بعد أن يُنسى الخبر نفسه. والكلمة الهادئة في لحظة الغضب قد تطفئ فتنة، كما قد تشعلها كلمة متهورة.
قواعد بسيطة لزمن معقد
- التحقق من مصدرين مستقلين على الأقل قبل نشر أي خبر حساس.
- التمييز الواضح أمام المشاهد بين الخبر والرأي والتحليل.
- تصحيح الخطأ علناً وبالمساحة نفسها التي نُشر فيها.
- الامتناع عن بث صور الضحايا ومشاهد العنف احتراماً لكرامة الناس وذويهم.
قد تبدو هذه القواعد بديهية، لكن الالتزام بها في ساعة الضغط هو الامتحان الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية. وقد تعلمت من سنوات طويلة في هذه المهنة أن الجمهور قد يغفر التأخير، لكنه لا يغفر التضليل. ولهذا نعدّ كل تصحيح ننشره رصيداً يُضاف إلى ثقة الناس بنا، لا خصماً منها.
الإعلام الوطني المسؤول لا يعني إعلاماً يجامل أو يخفي الأخطاء، بل إعلاماً ينتقد بأدب ويسأل بجرأة ويحترم عقل المشاهد. وهذه هي المسافة الواحدة التي نحاول أن نقف عليها من الجميع: مسافة تقرّبنا من الناس، وتبعدنا عن الاصطفاف.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



