في كل مرة يخوض فيها المنتخب الوطني مباراة مهمة، يحدث في العراق ما يشبه المعجزة الصغيرة: تمتلئ الشوارع من زاخو إلى الفاو بالأعلام نفسها، ويردد الجميع الأهازيج نفسها، وتختفي للحظات كل الخلافات التي تملأ نشرات الأخبار. قد يبدو الأمر مجرد حماسة رياضية، لكنني أراه دليلاً على أن ما يجمع العراقيين أعمق مما نظن.
يحلو لبعض المحللين أن يصوّروا العراق بلداً مركّباً من مكونات متنافرة، لكن من يعرف هذا البلد عن قرب يعرف أن العراقي في البصرة والعراقي في دهوك يتقاسمان أكثر بكثير مما يفرقهما: ذاكرة مشتركة من الأفراح والمحن، ومطبخاً تتشابه أطباقه، ونهرين يرويان الأرض من شمالها إلى جنوبها، وإحساساً بالانتماء يظهر بوضوح حين يغترب أحدهم عن وطنه.
وأذكر أنني رافقت قبل سنوات فريقاً صحفياً في رحلة من البصرة إلى دهوك، وفي كل محطة كان الناس يستقبلوننا بالشاي وبالسؤال ذاته عن أحوال بقية المدن. لم يسألنا أحد عن انتمائنا، بل عن الطريق والأهل والأسعار والمطر. وكانت تلك الرحلة درساً في أن العراقيين أقرب إلى بعضهم مما توحي به خطابات الانقسام.
التنوع ليس تهديداً
عرف العراق عبر تاريخه الطويل العرب والكرد والتركمان، والمسلمين والمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين، وعاش هؤلاء جنباً إلى جنب في المدن والقرى والأسواق. وكانت بغداد والموصل والبصرة وكركوك مدناً تتعدد فيها اللهجات والأزياء ودور العبادة، من دون أن يشعر أحد بأن هذا التعدد يهدد انتماءه.
الهوية الوطنية لا تطلب منا أن نتشابه، بل أن نتفق على ما لا نختلف عليه.
المشكلة لم تكن يوماً في التنوع نفسه، بل في توظيفه سياسياً، وفي خطاب يختزل الإنسان في انتماء فرعي واحد ويتجاهل أبعاده الأخرى. وحين يُطالَب المواطن بإثبات ولائه لجماعته قبل وطنه، تتصدع الثقة ويتسع الشرخ بين أبناء البلد الواحد.
وللإعلام في ذلك نصيب كبير من المسؤولية. فالتغطية التي تقدّم كل حدث من زاوية الهوية الفرعية، وتستضيف المتحدثين بوصفهم ممثلين لجماعات لا أصحاب أفكار ومواقف، تكرّس الانقسام حتى حين لا تقصد ذلك.
المواطنة جوهر الهوية
الهوية الجامعة لا تُبنى بالشعارات، بل بدولة تعامل مواطنيها بالتساوي في الوظيفة والخدمة والقانون، وبمناهج دراسية تعرّف الطفل بتاريخ بلده بكل مكوناته، وبإعلام يحتفي بالتنوع بدل أن يستثمر في الانقسام. وهي مسؤولية نتقاسمها جميعاً: في البيت والمدرسة ودور العبادة وغرف الأخبار. ولعلنا نحن الصحفيين أول من ينبغي أن يتذكر ذلك كل صباح.
ما يجمعنا حين نختلف هو هذا العراق نفسه: البيت الكبير الذي لا نملك غيره، والذي يتسع لنا جميعاً إن أردنا. وما تلك اللحظات التي نهتف فيها معاً لمنتخبنا إلا تذكير بما نستطيع أن نكونه كل يوم، لا في المباريات وحدها.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



