الدبلوماسية الهادئة وموقع العراق الإقليمي

استطاع العراق أن يتحول من ساحة للتجاذب إلى جسر للحوار، والمطلوب الآن تثبيت هذا الدور.

م

مصطفى الحسني

محلل في الشؤون الإقليمية · منذ يومين · قراءة في دقيقتين

قبل سنوات قليلة كان اسم العراق يحضر في نشرات الأخبار الإقليمية بوصفه ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. اليوم تغيّرت الصورة إلى حد بعيد: بغداد تستضيف القمم والاجتماعات، وتفتح قنوات الحوار بين أطراف متخاصمة، وتستقبل الوفود العربية والإقليمية والدولية بانتظام لم نعهده منذ عقود.

هذا التحول لم يأتِ مصادفة، بل هو نتاج قناعة تشكلت ببطء لدى صانع القرار العراقي بأن بلداً بحجم العراق وتنوعه لا يحتمل الانخراط في سياسة المحاور، وأن مصلحته الأولى تكمن في علاقات متوازنة مع جيرانه جميعاً، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ولا يعني التوازن أن يقف العراق متفرجاً على أزمات جيرانه، بل أن يوظف علاقاته المتشعبة لتقريب المسافات وخفض التوتر، وهو دور لا يستطيع أداءه إلا بلد يثق به الجميع لأنه لا يُحسب على أحد.

رصيد يحتاج إلى حماية

غير أن الدبلوماسية الهادئة رصيد هش إن لم تحمه سياسات ثابتة. فالمنطقة تمر بتحولات متسارعة، وكل أزمة جديدة تضع التوازن العراقي على المحك، وتعيد طرح السؤال القديم: هل يستطيع العراق أن يبقى على مسافة واحدة من الجميع حين تشتد الضغوط؟ ويزداد هذا التحدي حين تتداخل المواقف الداخلية مع الاستقطاب الإقليمي، فيُقرأ كل تصريح على أنه انحياز لطرف دون آخر.

قوة العراق في المنطقة لا تقاس بعدد حلفائه، بل بعدد الأبواب المفتوحة أمامه.

الجواب في رأيي يتوقف على أمرين: أن يتحدث العراق إلى الخارج بصوت واحد تتكامل فيه مؤسسات الدولة ولا تتنافس، وأن تتحول العلاقات السياسية الجيدة إلى مصالح اقتصادية ملموسة؛ فالجار الذي ترتبط معه بخطوط الكهرباء والتجارة والنقل أحرص على استقرارك من جار لا تجمعك به سوى البيانات المشتركة.

من الوساطة إلى الشراكة

لقد أثبتت بغداد أنها قادرة على أداء دور الوسيط، والخطوة التالية أن تصبح شريكاً في مشاريع إقليمية كبرى: الربط الكهربائي مع دول الخليج، وطرق النقل التي تصل الخليج بأوروبا، والتعاون المائي مع دول المنبع، ومشاريع الطاقة المشتركة. هذه المشاريع تمنح الدبلوماسية العراقية ما تحتاجه من ثقل، وتمنح المواطن سبباً ليشعر بأن السياسة الخارجية تعنيه في حياته اليومية.

وقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر فعلاً: اتفاقات للربط الكهربائي دخلت حيز التنفيذ، ومعابر حدودية تشهد حركة تجارية متزايدة، ورحلات جوية جديدة تربط بغداد والبصرة وأربيل بعواصم المنطقة. وكل خطوة من هذا النوع تجعل استقرار العراق مصلحة مشتركة لجيرانه، لا شأناً داخلياً يمكن تجاهله.

الدبلوماسية الهادئة ليست ضعفاً ولا حياداً سلبياً، بل خيار واعٍ لبلد دفع ثمناً باهظاً للصراعات. والمطلوب اليوم أن يتحول هذا الخيار من سياسة حكومة إلى عقيدة دولة، لا تتبدل بتبدل الوجوه والظروف، ويشعر كل عراقي بأنها تحميه وتفتح أمامه آفاقاً جديدة.

شارك

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.

مقالات وآراء

المزيد بقلم مصطفى الحسني وكتّاب الفرات

م

مصطفى الحسني

محلل في الشؤون الإقليمية

السياحة في العراق: ثروة تنتظر من يحسن إدارتها

يملك العراق ما لا تملكه دول كثيرة: أور وبابل والأهوار وقلعة أربيل ومدن العتبات، لكن السياحة لا تُبنى بالآثار وحدها بل بالخدمات أيضاً.

منذ أسبوعاقرأ المقال
س

د. سلام العبيدي

أستاذ العلوم السياسية

العراق ومعادلة المياه: ما بعد السدود

لم يعد ملف المياه شأناً فنياً يُدار من مكاتب الوزارات، بل صار سؤالاً سيادياً يمس الأمن الغذائي لملايين العراقيين.

منذ 5 ساعاتاقرأ المقال
ح

حيدر الموسوي

محلل اقتصادي

النفط وحده لا يكفي

اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة يبقى رهينة لتقلباتها، والتنويع لم يعد خياراً مؤجلاً.

منذ 9 ساعاتاقرأ المقال