السياحة في العراق: ثروة تنتظر من يحسن إدارتها

يملك العراق ما لا تملكه دول كثيرة: أور وبابل والأهوار وقلعة أربيل ومدن العتبات، لكن السياحة لا تُبنى بالآثار وحدها بل بالخدمات أيضاً.

م

مصطفى الحسني

محلل في الشؤون الإقليمية · منذ أسبوع · قراءة في دقيقتين

حين استضافت البصرة بطولة كأس الخليج قبل سنوات، اكتشف آلاف الزوار القادمين من دول الجوار عراقاً مختلفاً عما تنقله الشاشات: مدينة مضيافة، وشوارع تحتفي بالضيوف، وكرماً عفوياً تحوّل إلى حديث مواقع التواصل في المنطقة كلها. يومها أدرك كثيرون أن العراق يملك قوة ناعمة هائلة لم يُحسن استثمارها بعد.

فالبلد الذي يضم مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، من قلعة أربيل إلى بابل وأور والأهوار، ويستقبل ملايين الزائرين سنوياً في مدن العتبات، ما زالت السياحة فيه تسهم بنسبة متواضعة في الاقتصاد الوطني. والمفارقة أن الطلب موجود، وأن الصورة الذهنية عن العراق تتحسن عاماً بعد عام، لكن البنية التي تستقبل هذا الطلب لم تواكبه.

والسياحة الدينية وحدها قطاع هائل بأي مقياس؛ فملايين الزائرين الذين يقصدون كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء كل عام يحتاجون إلى فنادق ومطاعم ووسائل نقل وخدمات صحية، ويمكن لكل زيارة أن تمتد يوماً أو يومين إلى بابل أو الأهوار أو بغداد القديمة، لو وُجدت برامج سياحية منظمة تربط هذه الوجهات بعضها ببعض.

الآثار وحدها لا تكفي

يأتي السائح من أجل زقورة أور أو بوابة عشتار، لكنه يقرر العودة أو عدمها بناءً على تفاصيل أخرى: طريق آمن ومعبّد إلى الموقع، ولوحات إرشادية واضحة، ودليل سياحي مدرّب، وفندق نظيف بسعر معقول، ومطعم يقدّم المطبخ العراقي كما يليق به. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبني صناعة السياحة، لا الآثار وحدها.

السياحة دبلوماسية من نوع آخر؛ فكل زائر يعود إلى بلده راضياً سفير لا يكلّفنا شيئاً.

ومن موقعي في متابعة الشأن الإقليمي، أرى أن السياحة يمكن أن تكون أحد أهم جسور العراق مع محيطه. فتسهيل التأشيرات للزوار العرب والأجانب، وربط المدن العراقية برحلات جوية مباشرة مع عواصم المنطقة، وإطلاق مسارات سياحية مشتركة مع دول الجوار، خطوات تخدم الاقتصاد والدبلوماسية في آن واحد، وتعزز صورة العراق بلداً منفتحاً على محيطه.

من أين نبدأ؟

  • تفعيل دور هيئة السياحة ومنحها صلاحيات واضحة وموازنة مستقلة للترويج.
  • تأهيل الطرق والخدمات المحيطة بالمواقع الأثرية الكبرى.
  • تدريب الأدلاء السياحيين وتشجيع الشباب على العمل في القطاع.
  • تشجيع الاستثمار الفندقي خارج بغداد وأربيل، ولا سيما في ذي قار وبابل والبصرة.

ويبقى العنصر الأهم هو الإنسان العراقي نفسه، بكرمه المعروف وترحيبه بالغريب. وهذه الصفة التي أدهشت ضيوف البصرة يمكن أن تصبح ميزة تنافسية حقيقية، إذا دعمتها خدمات منظمة وأسعار عادلة وحماية للزائر من الاستغلال.

السياحة ليست ترفاً في بلد يبحث عن بدائل للنفط، بل فرصة لتشغيل آلاف الشباب وتحريك الأسواق المحلية، وتقديم صورة العراق الحقيقية إلى العالم. وكل ما تحتاجه أن نتعامل معها بوصفها صناعة جادة، لا موسماً عابراً.

شارك

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.

مقالات وآراء

المزيد بقلم مصطفى الحسني وكتّاب الفرات

س

د. سلام العبيدي

أستاذ العلوم السياسية

العراق ومعادلة المياه: ما بعد السدود

لم يعد ملف المياه شأناً فنياً يُدار من مكاتب الوزارات، بل صار سؤالاً سيادياً يمس الأمن الغذائي لملايين العراقيين.

منذ 5 ساعاتاقرأ المقال
ح

حيدر الموسوي

محلل اقتصادي

النفط وحده لا يكفي

اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة يبقى رهينة لتقلباتها، والتنويع لم يعد خياراً مؤجلاً.

منذ 9 ساعاتاقرأ المقال