المدرسة أولاً: إصلاح التعليم يبدأ من الصف لا من المنهج

لن تنجح أي مناهج جديدة ما دام المعلم مثقلاً بصفوف مكتظة ودوام مزدوج، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان الذي يقف أمام التلاميذ كل صباح.

ل

د. لمى العزاوي

باحثة في سياسات التعليم · منذ يومين · قراءة في دقيقتين

زرت قبل أسابيع مدرسة ابتدائية في أطراف بغداد تعمل بنظام الدوام الثلاثي: ثلاث مدارس تتناوب على بناية واحدة، وصف يضم أكثر من خمسين تلميذاً، ومعلمة تحاول أن تشرح درس القراءة في حصة لا تكفي حتى لتسجيل الحضور. خرجت من هناك وأنا أفكر في كل النقاشات التي نخوضها حول المناهج، وأسأل نفسي: هل المنهج هو المشكلة فعلاً؟

لا أقلل من أهمية تطوير المناهج، فبعضها يحتاج حقاً إلى مراجعة جادة تخفف الحشو وتقدّم مهارات التفكير على الحفظ. لكن أفضل منهج في العالم سيفشل في صف مكتظ، مع معلم مرهق لم يتلقَّ تدريباً حقيقياً منذ تعيينه، وفي بناية تفتقر إلى أبسط شروط الصحة والأمان. ثم إن المعلم نفسه هو من سيحمل أي منهج جديد إلى الصف، فإن لم يقتنع به ولم يُدرَّب عليه بقي حبراً على ورق.

ثلاث أولويات قبل المناهج

إذا أردنا إصلاحاً يلمسه التلميذ وولي الأمر، فعلينا أن نبدأ بما يحدث داخل الصف كل يوم، وأن نرتب الأولويات بحسب أثرها الفعلي لا بحسب سهولة الإعلان عنها:

  • الأبنية المدرسية: إنهاء الدوام المزدوج والثلاثي ضمن سقف زمني معلن، عبر الشراكة مع القطاع الخاص في بناء المدارس وصيانتها.
  • المعلم: تدريب مستمر مرتبط بالترقية، وحوافز حقيقية للعاملين في المناطق النائية، واختيار المتقدمين للمهنة على أساس الكفاءة لا العدد.
  • التقويم: الانتقال من امتحان واحد يحدد مصير الطالب إلى تقويم مستمر يقيس الفهم والمهارة طوال العام.
لن نصلح التعليم ما دام المعلم آخر من يُسأل وأول من يُلام.

قد يقول قائل إن هذه الأولويات مكلفة، وهذا صحيح. لكن كلفة الإهمال أكبر بكثير: تلاميذ يتسربون من المدارس في سن مبكرة، ودروس خصوصية تستنزف ميزانيات الأسر، وخريجون يحملون شهادات لا تعكس ما يعرفونه فعلاً. إنها فاتورة ندفعها جميعاً، وإن لم تظهر في أي موازنة.

ولا بد هنا من الإشارة إلى الفجوة بين المدينة والريف. ففي قرى كثيرة يقطع التلاميذ كيلومترات للوصول إلى مدرسة بلا تدفئة في الشتاء ولا تبريد في الصيف، وتتسرب الفتيات تحديداً حين تبعد المدرسة المتوسطة عن القرية. وأي إصلاح لا يبدأ من هذه المدارس المنسية سيبقى إصلاحاً للعاصمة وحدها، وسيعمّق الفوارق بدل أن يردمها.

الإصلاح مسار لا قرار

تعلمنا تجارب الدول التي نجحت في تطوير تعليمها أن الإصلاح لا يتحقق بقرار وزاري واحد، بل بخطة تمتد سنوات وتتجاوز تعاقب الحكومات، وتُقاس نتائجها بمؤشرات واضحة يعرفها الجميع: نسب إتقان القراءة في الصفوف الأولى، ومعدلات التسرب، وعدد التلاميذ في الصف الواحد.

مدارسنا ليست بحاجة إلى معجزة، بل إلى أن نضعها في المكان الذي تستحقه على سلم أولوياتنا الوطنية. فالبلد الذي يبني مدرسة اليوم يوفّر على نفسه غداً كلفة كثير من الأزمات.

شارك

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.

مقالات وآراء

المزيد بقلم د. لمى العزاوي وكتّاب الفرات

س

د. سلام العبيدي

أستاذ العلوم السياسية

العراق ومعادلة المياه: ما بعد السدود

لم يعد ملف المياه شأناً فنياً يُدار من مكاتب الوزارات، بل صار سؤالاً سيادياً يمس الأمن الغذائي لملايين العراقيين.

منذ 5 ساعاتاقرأ المقال
ح

حيدر الموسوي

محلل اقتصادي

النفط وحده لا يكفي

اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة يبقى رهينة لتقلباتها، والتنويع لم يعد خياراً مؤجلاً.

منذ 9 ساعاتاقرأ المقال