في ممرات أحد المستشفيات التعليمية ببغداد، التقيت أماً قدمت من قضاء بعيد مع طفلها المريض. كانت قد أمضت ليلتها في السيارة كي تحجز دوراً مبكراً للمراجعة، وحين وصلت إلى الطبيب طُلب منها إجراء فحص لا يتوافر جهازه في المستشفى، فخرجت تبحث عنه في العيادات الخاصة. قصتها ليست استثناءً، بل يوم عادي في حياة آلاف المرضى.
يملك العراق كوادر طبية مشهوداً لها بالكفاءة، وقد صمد أطباؤه وممرضوه في أصعب الظروف. لكن النظام الذي يعملون فيه يعاني اختلالات بنيوية: مستشفيات شُيّد كثير منها قبل عقود ولم تعد تتسع لأعداد السكان، ومراكز رعاية صحية أولية لا تؤدي دورها في تخفيف الضغط، وإنفاق صحي يتحمل المواطن جزءاً كبيراً منه من جيبه الخاص.
ونتيجة لذلك يلجأ كثيرون إلى العيادات والمستشفيات الأهلية مهما ارتفعت كلفتها، ويضطر آخرون إلى السفر للعلاج خارج البلد، فينفقون مدخرات سنوات على عمليات وفحوص كان يمكن إجراؤها في الداخل لو توافرت الأجهزة والثقة. وهذه الأموال التي تغادر البلد كل عام كفيلة وحدها ببناء مستشفيات تخصصية حديثة.
أين يبدأ الإصلاح؟
يبدأ الإصلاح من القاعدة لا من القمة. ففي الأنظمة الصحية الناجحة لا يذهب المريض إلى المستشفى إلا حين يحتاج إليه فعلاً، لأن طبيب الأسرة في المركز الصحي القريب يتولى الفحص الأولي والمتابعة والوقاية. أما عندنا فالمستشفى هو المحطة الأولى والأخيرة، ولهذا تكتظ ردهات الطوارئ بحالات كان يمكن علاجها في مركز صحي داخل الحي.
الثقة بالمستشفى الحكومي لا تُستعاد بالبنايات الجديدة وحدها، بل بتجربة مريض خرج منه راضياً.
ويمثل قانون الضمان الصحي فرصة حقيقية لتغيير هذه المعادلة، إذا طُبّق بطريقة تضمن للمواطن خدمة لائقة وتحفّز المستشفيات على التنافس في الجودة، ولا تحوّله إلى رسوم إضافية بلا مقابل. كما أن اعتماد الملف الطبي الإلكتروني يمكن أن يوفّر على المريض تكرار الفحوص، ويمنح الأطباء صورة كاملة عن حالته.
أولويات واضحة
- تأهيل مراكز الرعاية الأولية وتزويدها بأطباء أسرة ومختبرات أساسية.
- توزيع الأجهزة التشخيصية الحديثة بعدالة بين المحافظات.
- تحسين بيئة عمل الكوادر الطبية وتوفير الحماية القانونية لها.
- اعتماد مؤشرات علنية لأداء المستشفيات، كمدة الانتظار ونسب رضا المرضى.
ولا يكتمل الإصلاح من دون الاستثمار في الكوادر الشابة؛ فكثير من الأطباء حديثي التخرج يبحثون عن فرص في الخارج، والممرضون يعملون بأعداد لا تتناسب مع أعداد المرضى. والاحتفاظ بهؤلاء يبدأ من التدريب الجيد والحوافز العادلة وبيئة عمل تحترم جهدهم.
الصحة ليست ملفاً خدمياً عادياً، بل اختبار يومي لعلاقة الدولة بمواطنيها. وحين تجد تلك الأم يوماً ما يحتاجه طفلها في مستشفى قريب، ومن دون أن تبيت ليلتها في السيارة، نكون قد قطعنا الخطوة الأهم في طريق الإصلاح.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



