الطاقة الشمسية في العراق: من الشعار إلى الشبكة

يملك العراق أكثر من ثلاثة آلاف ساعة سطوع شمسي في العام، ومع ذلك ما زلنا نشغّل المولدات في أحيائنا كل صيف كأننا في بلد بلا شمس.

ف

فراس الكبيسي

كاتب في شؤون الطاقة والاقتصاد · منذ 3 أيام · قراءة في دقيقتين

في كل صيف يتكرر المشهد نفسه: درجات حرارة تتجاوز الخمسين، وأحمال قياسية على الشبكة الوطنية، وأسلاك المولدات الأهلية تتشابك فوق الأزقة. وفي كل صيف نسمع الوعود ذاتها بأن العام المقبل سيكون أفضل. لكن الفجوة بين الطلب والإنتاج ما زالت تُقاس بآلاف الميغاواطات، والمواطن ما زال يدفع فاتورتين: واحدة للدولة وأخرى لصاحب المولدة.

المفارقة أن الحل الأقرب يسطع فوق رؤوسنا. فالعراق من أغنى دول المنطقة بالإشعاع الشمسي، والألواح الشمسية تبلغ أعلى إنتاجها في الأشهر نفسها التي يبلغ فيها الطلب ذروته. ومع ذلك ما زالت مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء هامشية، رغم الإعلانات المتكررة عن مشاريع كبرى بآلاف الميغاواطات.

وتكفي جولة في أي حي سكني لندرك حجم الهدر: آلاف المولدات الأهلية تعمل بوقود الديزل لساعات طويلة، وتملأ الأزقة بالدخان والضجيج، وتكلّف الأسرة في أشهر الصيف مبالغ تفوق ما تدفعه للشبكة الوطنية. وهذا الإنفاق الموزع على ملايين البيوت يكفي، لو جُمع وأُحسن توجيهه، لتمويل جزء كبير من التحول إلى الطاقة النظيفة.

لماذا تتأخر المشاريع؟

الأسباب معروفة لمن يتابع هذا الملف: عقود تتأخر في دهاليز الموافقات، وتعرفة كهرباء لا تغطي كلفة الإنتاج فتجعل المستثمر متردداً، وشبكة نقل متهالكة تحتاج هي نفسها إلى استثمارات ضخمة كي تستوعب الطاقة الجديدة. يضاف إلى ذلك أن ملف الطاقة ظل لسنوات يُدار بمنطق الطوارئ الصيفية لا بمنطق التخطيط طويل الأمد.

كل لوح شمسي على سطح بيت عراقي طاقة لا تحتاج الشبكة إلى نقلها، ولا الدولة إلى استيراد وقودها.

وإلى جانب المحطات الكبرى، يملك العراق فرصة أسرع وأقل كلفة: الأسطح. فملايين البيوت والمدارس والدوائر الحكومية يمكن أن تتحول إلى محطات إنتاج صغيرة، إذا توافرت قروض ميسرة بفوائد منخفضة، ومواصفات قياسية تمنع دخول الألواح الرديئة، ونظام يسمح للمواطن ببيع الفائض إلى الشبكة.

خطوات عملية

  • تسريع إحالة مشاريع المحطات الشمسية الكبرى بعقود شفافة وتنافسية.
  • إطلاق برنامج وطني لتركيب الألواح على أسطح المدارس والمستشفيات والدوائر الحكومية.
  • إقرار نظام القياس الصافي الذي يتيح للمنازل بيع فائض إنتاجها إلى الشبكة.
  • استثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق في الحقول لتشغيل المحطات القائمة بدلاً من استيراد الوقود.

ولا يقل عن ذلك أهمية إعداد الكوادر. فكل محطة شمسية تحتاج إلى مهندسين وفنيين للتركيب والصيانة، وهذه فرص عمل حقيقية لشبابنا إذا أدخلت المعاهد التقنية هذا الاختصاص في مناهجها، وشجعت الدولة الورش المحلية على تجميع المعدات وصيانتها.

التحول في الطاقة ليس ترفاً بيئياً ولا موضة عالمية، بل ضرورة اقتصادية لبلد يحرق ثروته الغازية في الهواء ويستورد ما يشغّل به محطاته. وإذا كانت الشمس لا تحتاج إلى عقود توريد ولا إلى خطوط أنابيب، فإن ما نحتاجه نحن هو قرار جاد يتحول إلى مشاريع على الأرض.

شارك

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.

مقالات وآراء

المزيد بقلم فراس الكبيسي وكتّاب الفرات

س

د. سلام العبيدي

أستاذ العلوم السياسية

العراق ومعادلة المياه: ما بعد السدود

لم يعد ملف المياه شأناً فنياً يُدار من مكاتب الوزارات، بل صار سؤالاً سيادياً يمس الأمن الغذائي لملايين العراقيين.

منذ 5 ساعاتاقرأ المقال
ح

حيدر الموسوي

محلل اقتصادي

النفط وحده لا يكفي

اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة يبقى رهينة لتقلباتها، والتنويع لم يعد خياراً مؤجلاً.

منذ 9 ساعاتاقرأ المقال