يعرف كل عراقي تقريباً تلك الرحلة المرهقة: الاستيقاظ فجراً، والوقوف في طابور طويل أمام دائرة حكومية، ثم اكتشاف أن المعاملة تحتاج إلى نسخة مصدّقة من وثيقة في دائرة أخرى. وقد تتكرر الرحلة أياماً قبل أن تُنجز معاملة بسيطة كان يمكن إتمامها في دقائق.
ولهذه الرحلة كلفة اقتصادية لا تظهر في الحسابات الرسمية: ساعات عمل ضائعة، وأجور نقل، وفرص استثمار تتعطل لأن تسجيل شركة أو الحصول على إجازة بناء يستغرق أشهراً. والأخطر أن الطابور الطويل يفتح الباب للوسطاء والمعقّبين، ولكل من يعرض اختصار الطريق مقابل ثمن.
وتشير تجارب كثيرة إلى أن رقمنة الخدمات تنعكس مباشرة على النمو الاقتصادي، فالمستثمر الذي يستطيع تسجيل شركته وإصدار تراخيصها عبر الإنترنت في أيام قليلة، أكثر استعداداً لضخ أمواله من مستثمر يعرف مسبقاً أنه سيقضي أشهراً بين المكاتب. والأمر نفسه ينطبق على المواطن البسيط الذي يريد تجديد إجازة سوق أو دفع رسم أو استخراج وثيقة.
خطوات في الاتجاه الصحيح
من الإنصاف القول إن السنوات الأخيرة شهدت تقدماً ملموساً. فالبطاقة الوطنية الموحدة، والجواز الإلكتروني، وتوطين الرواتب، وإطلاق بوابة إلكترونية موحدة للخدمات الحكومية، كلها خطوات مهمة. كما بدأ الدفع الإلكتروني يدخل تدريجياً إلى فواتير الكهرباء والماء والرسوم الحكومية، وهو ما يقلل التعامل بالنقد ويحد من فرص التلاعب.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من رقمنة الواجهة إلى رقمنة الإجراء نفسه. فلا معنى لاستمارة إلكترونية تُطبع لاحقاً وتُختم وتُرسل ورقياً بين الدوائر. الحكومة الإلكترونية ليست موقعاً أنيقاً على الإنترنت، بل إعادة تصميم كاملة لطريقة عمل المؤسسة، تبدأ من سؤال بسيط: لماذا نطلب من المواطن هذه الورقة أصلاً؟
المعاملة التي لا تحتاج إلى مراجعة، لا تحتاج إلى واسطة.
ما المطلوب؟
- ربط قواعد بيانات الوزارات بعضها ببعض، كي لا يُطلب من المواطن تقديم الوثيقة نفسها مرات عدة.
- اعتماد التوقيع الإلكتروني قانونياً في جميع المعاملات الحكومية.
- تحديد مدد زمنية ملزمة لإنجاز كل معاملة، تُحتسب آلياً وتُعلن للجمهور.
- حماية بيانات المواطنين بتشريع واضح وأنظمة رصينة لأمن المعلومات.
ولا ينبغي أن ننسى من لا يجيدون استخدام التقنية، من كبار السن إلى سكان المناطق النائية التي تضعف فيها خدمة الإنترنت. فالتحول الرقمي العادل يحتاج إلى مراكز خدمة قريبة يساعد فيها موظفون مدربون المراجعين على إتمام معاملاتهم إلكترونياً، كي لا يتحول التقدم التقني إلى باب جديد للإقصاء.
الاستثمار في الحكومة الإلكترونية ليس رفاهية تقنية، بل من أكثر الإصلاحات الاقتصادية جدوى وأقلها كلفة. فكل ساعة يوفرها المواطن في الطابور ساعة تعود إلى الإنتاج، وكل إجراء يُنجز آلياً فرصة أقل للفساد. والمواطن الذي أتقن استخدام الهاتف الذكي في تفاصيل حياته كلها، يستحق دولة تلحق به إلى هناك.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي قناة الفرات الفضائية.



